عبد الوهاب بن علي السبكي
161
طبقات الشافعية الكبرى
وحفي للأقدام فقضيت الذمام وقرنت رد جوابه بالاستلام وقلت حييت بالإكرام وحييت بين كرام ثم استصحبني وسار فتبعته متابعة العامة أولى الأبصار حتى انتهى إلى المقصد ودخل دار بعض وجوه البلد وفيها قد حضر جماعة للنظر فلما رآه القيام تسارعوا إلى القيام واستقبلوه إلى الباب وتلقوه بالترحاب وبالغوا بالسلام وما يليق به من الإكرام ثم عظموه وإلى الصدر قدموه وأحاطوا به إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر ثم أخذ الخصام يتجاذبون في المناظرة أطراف الكلام وكنت أنظر من بعيد متكئا على حد سعيد حتى التقى الجمع بالجمع وقرع النبع بالنبع فبينما هم يرمون في عمايتهم ويخبطون في غوايتهم إذ دخل الشيخ دخول من فاز بنهزة الطالب وفرحة الغالب بلسان يفتق الشعور ويفلق الصخور وألفاظ كغمزات الألحاظ والكرى بعد الاستيقاظ أرق من أديم الهواء وأعذب من زلال الماء ومعان كأنها فك عان وبيان كعتاب الكعاب ووصل الأحباب في أيام تفيد الصم بيانا وتعيد الشيب شبانا تهدى إلى الروح روح الوصال وتهب على النفوس هبوب الشمال وكان إذا أنشأ وشى وإذا عبر حبر وإذا أوجز أعجز وإذا أسهب أذهب فلم يدع مشكلة إلا أزالها ولا معضلة إلا أزاحها ولا فسادا إلا أصلحه ولا عنادا إلا زحزحه حتى تبين الحي من اللي والرشد من الغي ورفل الحق في أذياله واعتدل باعتداله وأقبل عليه الخاصة والعامة بإقباله فلما فرغ من إنشاء دلالته بعد جولانه في هيجاء البلاغة عن بسالته حار الحاضرون في جوابه وتعجبوا من فصل خطابه وعاد الخصوم كأنهم فراش النار وخشاش الأبصار وأوباش الأمصار عليهم الدبرة